Share

غالبا ما يُقترن اسم منطقة تلوات نواحي ورزازات بالتهامي الڭلاوي، باشا مراكش، والصدر الأعظم المدني الڭـلاوي. إلا أن الرايسة صفية، اعتزازا بمسقط رأسها الذي عرف أمجادا دوّنها التاريخ، حملت معها اسم قريتها كلقب لها، وبقيت معروفة باسم صفية أولت تلوات، أي صفية التي تنحدر من تلوات.

ازدادت سنة 1946 بمنطقة تلوات. اسمها صفية محمد أيت بنحدو. بدأت الغناء سنة 1959 وعمرها 13 سنة؛ حيث كانت تشارك رفقة نساء يكبرنها سنا في ترديد أحواش، بينما الرجال يضربون على الدفوف والطبول.

كانت مشاركتها تقتصر على الأعراس والحفلات التي كان قياد الڭلاوي ينظمونها في قصبة تلوات الشهيرة، إلا أن صوتها كان مميزا عن بقية اللواتي أُجبرن على ترديد اللازمات في حضرة القياد والأعيان، أحبت الغناء ونظمت الأشعار وهي ما تزال طفلة صغيرة.

قد تكون صفية، وهي شابة مفعمة بحب الفن والحياة، شعرت بأن صوتها لم يُخلق ليختفي وسط أصوات النساء أثناء ترديد اللازمات والمواويل الجماعية البدوية. فانفردَت بصوتها المتميز لتسجل به مواويل وأشعار ضمن النساء الأمازيغيات القليلات اللواتي تحدين قيود مجتمع محافظ، لتغني عن الحب والجمال وتقلبات الزمن وأمجاد قبيلتها.

المهتمون بفن الروايس سمعوا أغنية “وَاسيّيحْ أَتَاوْنْزَا” من حناجر كثيرة، فقد أعاد غنائها مغنون كثر وأدّاها العشرات منهم في الأعراس، إلا أن الرايسة صفية أولت تلوات قالت في لقاء تلفزي إنها من سجل هذه الأغنية بُعيد الاستقلال، وقد أذيعت سنة 1965 على أثير الإذاعة الوطنية.

عاصرت بمراكش كبار الروايس من أمثال عمر واهروش، الرايس محمد أوتاصورت، محمد الدمسيري، وتحدثت عن فضلهم عليها، ومساعدتهم لها في تسجيل أغانيها التي ما يزال محبو فن الروايس يرددونها في المجالس المهمة.

كتب عنها الإعلامي محمد والكاش في كتابه “تيرويسا” أنها “فنانة لا تتحمل الابتعاد عن الفن والغناء، ولها في رصيدها الفني تسع أغان مسجلة بالإذاعة الوطنية”. ونقل عنها قولها في الكتاب ذاته: “أغاني فترتها كانت خالية من الصخب والضجيج، أغاني رقيقة تخاطب الوجدان والإحساس وتنبع من الطبيعة وفن أحواش”، وقولها: “المجتمع الأمازيغي لا يعتبر الشعر عيبا، بل العيب هو ألا يحسن المرء قرض الشعر، خاصة في أسايس”.

وعن الرايسات اللواتي سبقنها إلى الغناء زمن الاستعمار وبعد الاستقلال ذكر كتاب “تيروسا” مجموعة من المغنيات الأمازيغيات نقلا عن أولت تلوات، مثل “خدوج تاوريكت، الرايسة فاطمة تاكرامت، الرايسة رقية تالكريشت”، وغيرهن.

غنّت عن الحب والقدر وتغير الأزمان والجمال؛ فأنشدت “ؤرڭين لاحباب ن يان ماغ إسامح”، “أياتاي أبو خمسة ن النجمات”، كما أدّت كذلك أغانٍ وطنية مثل “تاوادا” التي أنشدتها بعد عودتها من المسيرة الخضراء سنة 1975.

وتعد الرايسة صفية أولت تلوات من قلائل فناني جيلها الذين شاركوا بفنهم الأمازيغي في مهرجانات عالمية في كل من أمريكا، كندا، الدنمارك، الجزائر وفرنسا.

تغنت الرايسة صفية بِتلوات، وحملتها أينما ذهبت. قضت فترة عصيبة مريضة بمراكش في الفترة الأخيرة، تنكر الأحباب ونسي المحبون صوتا كان يصدح في المحافل بأغان أمازيغية قديمة وجديدة، تآلفت عليها الشيخوخة وقلة ذات اليد.

نشر بعض محبيها نداءَات لمساعدة عائلتها لتحمل مصاريف العلاج والإقامة بمراكش، لكن الموت كان سَبَّاقا إليها من مستمع ظل لفترة طويلة يردد “واسييح أتاونزا” دون أن يعرف صاحبتها. ولم يكن لها من سند سوى ابنتها الوحيدة وبعض الأهل والمقربين، لكنها ظلت تقاوم، وكأنها تنتظر عودتها إلى مسقط رأسها بتلوات لتسلم روحها إلى خالقها زوال العاشر من ماي 2017، وتبقى أغانيها في أذهان الناس، تدندنها صبابا في الهوامش البعيدة، في الحقول وفي الأعراس ومجالس الفرح.

ميمون أم العيد من أكادير

75 total views, 4 views today